د أيمن السيسي يكتب : حصار العواصم
أفريقيا بين فشل الدولة الوطنية وحيوية جيل زد 1-3
في فبراير الماضي (2026)، تمكن تنظيم داعش من اقتحام نيامي، عاصمة النيجر، وفرض سيطرته على مطار العاصمة لمدة نصف ساعة، وذلك بعد نجاحه في السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بالمدينة، قبل أن يتقدم نحو أطراف العاصمة نفسها. وأمام هذا التطور الخطير، وفي محاولة للحيلولة دون سقوط نيامي، سارعت تركيا إلى إرسال تعزيزات عسكرية تمثلت في “الفرقة 76” التابعة للجيش السوري، وهي تشكيل يضم مقاتلين أجانب ومتطوعين من جنسيات متعددة، للمشاركة في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش النيجري ووحدات من الفيلق الروسي.
ويأتي ذلك في وقت فشل فيه الفيلق الروسي في تأمين باماكو، عاصمة مالي، التي تتعرض منذ ذلك التاريخ لحصار تفرضه جبهة ماسينا التابعة لتنظيم القاعدة، ولا يزال الحصار مستمرًا حتى الآن. ويعكس هذا المشهد شكلًا جديدًا من أشكال الصراع وآليات ممارسته بين الأنظمة الحاكمة من جهة، والميليشيات والجماعات المتطرفة من جهة أخرى داخل القارة الأفريقية.
وقد وصلت الأوضاع إلى مرحلة باتت فيها الجيوش الوطنية عاجزة عن حماية نفسها أو حماية أنظمتها السياسية وعواصمها، ويُعد السودان نموذجًا واضحًا على ذلك. فالميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية أصبحت اليوم البديل الموضوعي الحديث لحركات التمرد التقليدية التي كانت تنشق عن الجيوش النظامية، والتي استمرت حتى عام 2010 تقريبًا، ولم تكن قادرة في معظم الأحيان على الاقتراب من العواصم، بل كانت تكتفي بحرب الكر والفر في المناطق الحدودية، وتهديد القرى والبلدات الواقعة على أطراف الدولة.
غير أن التطورات الأخيرة، وما صاحبها من تغيرات نوعية في الفكر والاستراتيجية وأساليب الحركة والتنظيم، أثبتت حقيقتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في فشل الدولة الوطنية في أفريقيا، والثانية تكمن في وضوح الدعم الذي تقدمه القوى الكبرى ووكلاؤها الإقليميون لهذه الميليشيات بصورة باتت علنية بعد أن كانت تُمارس في الخفاء. ويُستشهد على ذلك باعترافات متعددة لمسؤولين أمريكيين، فضلًا عن استخدام واشنطن لعدد من الحلفاء الإقليميين في إدارة هذا الملف. فقد دعمت قطر جماعات إرهابية، وأرسل أردوغان عناصر من داعش إلى ليبيا، كما قامت الإمارات بتسليح وتمويل قوات الدعم السريع وعناصر داعش في مالي، وسعت إلى محاولة تغيير نظام الحكم في الجزائر.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع ظهور حركات معارضة جديدة على الأرض في العديد من هذه الدول، وكذلك في دول أخرى من العالم الثالث. فهذه المعارضة المستحدثة لا تتبنى مفاهيم المعارضة التقليدية، سواء اليمينية أو اليسارية، ولا تعترف بالأيديولوجيات القديمة أو الراديكاليات المعروفة أو الأفكار المعلبة والمتحجرة. ولذلك لم تعد التهم التقليدية التي تلجأ إليها الأنظمة، مثل “قلب نظام الحكم” أو “تكدير السلم العام”، ذات تأثير حقيقي عليها.
وتتمثل هذه المعارضة الجديدة في جيل الشباب الذي يختلف بصورة جوهرية عن الجيل الأول من ثوار مواقع التواصل الاجتماعي ومعارضي الإنترنت. إنه الجيل الذي أصبح يُعرف عالميًا باسم “جيل زد” (Z)، وهو جيل أكثر جرأة وشراسة، وأكثر اطلاعًا ومعرفة، لكنه في الوقت ذاته أكثر اندفاعًا وتهورًا. لقد شاهد هذا الجيل أحلام الجيل السابق، وقرأ عنها وسمع بها، ثم وجد نفسه يعيش فوق أنقاضها، ولذلك أصبح يميل إلى استكمال المسيرة ومحاولة تحقيق ما فشل فيه من سبقوه.
ويقف هذا الجيل في منطقة تجمع بين القدرة البدنية العالية وغياب الشعور الكامل بالمسؤولية، بينما تتولى منصات التواصل الاجتماعي تشكيل وعيه وتوجيه مشاعره، عبر سيل متواصل من الأخبار والمعلومات، كثير منها زائف أو مفبرك، تتحدث باستمرار عن الغلاء والفساد والبطالة والنهب وسوء الإدارة. ومع الوقت تدفع هذه الرسائل المتكررة الشباب إلى فقدان الثقة في مجتمعاتهم واليأس من الأنظمة الحاكمة.
وأمام هذا الواقع، تتساوى لديهم النتائج؛ فلا فرق كبير بين التعمير والتدمير، أو بين الأمن والفوضى، لأن الخراب لم يعد يخيف من يشعر أصلًا بأنه يعيش حالة من الضياع. فهو يرى أنه لم يستفد من بلاده شيئًا، في الوقت الذي يشاهد فيه أنماطًا من الرفاهية والبذخ يعيشها أصحاب النفوذ والمناصب، ويطالعها يوميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والدراما التلفزيونية والمنصات الرقمية المختلفة، التي اعتادت تقديم هذه النماذج بصورة استفزازية، دون أن تدرك الأنظمة الحاكمة حجم التأثير الذي تتركه في نفوس الشباب.
ولا يمكن إغفال دور الخلايا الإلكترونية، وعصابات الجريمة الحديثة، وأدوات حروب الجيل السادس، في تعميق هذا الشعور. كما أن هذا الجيل فقد ثقته في القوى الكبرى التي يعتبرها سببًا رئيسيًا في تراجع أوضاع بلاده، نتيجة خضوع الأنظمة المحلية لها واستمرار أشكال الهيمنة الأجنبية بوسائل جديدة غير عسكرية، كما هو الحال في مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو.
ورغم أن أنظمة هذه الدول ظلت لعقود طويلة تؤكد أنها تخلصت من الاستعمار وطردته ونالت استقلالها، فإن جيل زد، ومن سبقه من أجيال، لم يلمس انعكاسًا حقيقيًا لخيرات بلاده وثرواتها على حياته ومستقبله. وفي المقابل، يرى أن أنظمة الدولة الوطنية وفرت الامتيازات والدخول المرتفعة والوظائف والمكاسب المختلفة لتوابعها، سواء من الميليشيات المرتبطة بها، أو شبكات الاستخبارات، أو الخلايا الحزبية، أو بعض الكوادر المرتبطة بالجامعات والمراكز البحثية، أو الدوائر المحيطة بالزعماء والقيادات، أو المنتفعين من القبائل والعائلات المتعاقبة على السلطة.
ومن ثم، فإن هذا الجيل لا يبدو مستعدًا للدفاع عن أنظمته الحاكمة أو حتى عن دوله الوطنية بالشكل التقليدي المعروف، بل بدأت قطاعات منه بالفعل في التسلل إلى صفوف الميليشيات وحركات التمرد المسلحة ـ باستثناء جبهة تحرير أزواد ـ مدفوعة بإغراءات العائد المادي والرواتب التي عجزت حكوماته عن توفيرها له من خلال وظائف مستقرة.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا الجيل يمتلك قدرًا كبيرًا من العلم والمعرفة والذكاء، فضلًا عن قدرات متقدمة على التخفي والمناورة والتكيف مع بيئات الصراع المختلفة، وهو ما يجعله عنصرًا مؤثرًا وخطيرًا في معادلات الصراع المستقبلية داخل القارة الأفريقية وخارجها.



