محمد ربيع يكتب : التعددية الحزبية في مصر بين الواقع والطموح

رغم ما يردده البعض من أن الحياة السياسية في مصر تفتقر إلى تعددية حقيقية، فإن نظرة أكثر واقعية للمشهد الحزبي تظهر أن التعددية موجودة، وإن كانت تتخذ أشكالًا تتوافق مع طبيعة المرحلة السياسية والمجتمعية التي تمر بها الدولة. والأقرب للإنصاف هو القول بأن مصر تشهد تعددية “منضبطة”، فيها مساحات للاختلاف، ولكن داخل أطر تحافظ على استقرار الدولة وتماسكها.
تعددية قائمة بالفعل
يوجد في مصر أكثر من مئة حزب مسجل رسميًا، تتنوع توجهاتها ما بين قومية، وليبرالية، ويسارية، وإسلامية الطابع (ضمن الإطار القانوني)، ويشارك عدد لا بأس به منها في الانتخابات العامة والمحلية.
وبينما يبرز حزب “مستقبل وطن” بوصفه الحزب صاحب التأثير الأكبر، فإن وجود أحزاب أخرى مثل الجبهة الوطنية والشعب الجمهوري، الوفد، حماة الوطن، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، يشير إلى خريطة سياسية تتسم بالتنوع، حتى وإن تفاوتت مستويات الحضور والتأثير.
التعددية في مصر ليست فقط في عدد الأحزاب، بل في التوجهات المطروحة، وفي الأصوات المختلفة داخل البرلمان، وحتى داخل الأحزاب ذاتها. صحيح أن الصوت الأقوى قد يكون مواليًا للدولة، لكن الأصوات الأخرى موجودة، وتُسمع.
انتخابات مجلس الشيوخ نموذجًا
لعل انتخابات مجلس الشيوخ التي أُجريت آخر مرة تمثل نموذجًا عمليًا لهذا التعدد الحزبي. فقد شاركت فيها عدة أحزاب من مشارب مختلفة، وتم تشكيل قوائم انتخابية ضمت أحزابًا متنوعة، بما فيها أحزاب كانت تُحسب على تيارات معارضة أو مدنية.
هذه الانتخابات شهدت تنافسًا داخل القوائم، وظهور أسماء من خارج دائرة الحزب الأكبر. كما أن حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو حزب محسوب على التيار المدني الديمقراطي، تمكن من الفوز بمقاعد ضمن التحالف الوطني، ما يدل على وجود تفاهمات سياسية تتجاوز الاصطفاف الحزبي التقليدي.
إضافة إلى ذلك، فإن خريطة الشيوخ ضمت مستقلين وأسماء أكاديمية ومجتمعية متنوعة، ما أضفى على المجلس طابعًا من التنوع لا يمكن إنكاره.
الواقع يفرض نوعًا خاصًا من التعددية
من المهم الاعتراف بأن التعددية في مصر لا تشبه تلك الموجودة في ديمقراطيات تقليدية غربية، فالوضع المصري تحكمه خصوصيات تاريخية وأمنية وثقافية. فبعد عقد شهد اضطرابات وثورات، كان من الطبيعي أن يبحث المجتمع عن الاستقرار، ولو على حساب صخب الساحة الحزبية.
لكن ذلك لا يعني أن الأحزاب غير موجودة، أو أنها بلا تأثير. على العكس، هناك محاولات جادة من بعض الأحزاب للانتشار، وللتواصل مع الشارع، وهناك دورات تدريبية وسياسات تنظيمية تهدف لتأهيل كوادر شابة، وكلها مؤشرات على حراك سياسي مستمر، وإن كان هادئًا.
التعددية مسؤولية مشتركة
إذا أردنا لتعددية الأحزاب في مصر أن تتحول من الشكل إلى الجوهر، فالمسؤولية لا تقع على الدولة فقط، بل على الأحزاب نفسها. فالكثير من الأحزاب تعاني من ضعف في البنية، وتفتقر للبرامج الحقيقية، ولا تجيد العمل الجماهيري.
على الأحزاب أن تخرج من عباءة النخبوية، وأن تنزل إلى الشارع، وأن تُخاطب المواطن بلغة المصالح اليومية لا الشعارات الكبرى. وعندها فقط ستتحول التعددية من قائمة أسماء إلى قوة سياسية فاعلة.
في الختام
الحياة الحزبية في مصر ليست مثالية، لكنها ليست ميتة كما يدّعي البعض. هناك تعددية بالفعل، وهناك انتخابات تتم، وأصوات تتنافس، وأحزاب تتحرك، سواء داخل البرلمان أو خارجه.
الطريق ما زال طويلًا، لكن الأساس موجود، والبناء عليه ممكن — إذا توفرت الإرادة من الجميع.
كاتب المقال
محمد ربيع
نائب رئيس تحرير مجلة اكتوبر



